ابن قيم الجوزية

408

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

الآية - وقال أبو رجاء العطاردي : معناه إن يكفر بها أهل الأرض ، فقد وكلنا بها أهل السماء وهم الملائكة . وقال ابن عباس ومجاهد : هم الأنصار أهل المدينة . والصواب : أن المراد من قام بها إيمانا ، ودعوة وجهادا ونصرة . فهؤلاء هم الذين وكلهم اللّه بها . فإن قلت : فهل يصح أن يقال : إن أحدا وكيل اللّه ؟ . قلت : لا . فإن الوكيل من يتصرف عن موكله بطريق النيابة . واللّه عزّ وجلّ لا نائب له ، ولا يخلفه أحد ، بل هو الذي يخلف عبده ، كما قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « اللهم أنت الصاحب في السفر . والخليفة في الأهل » على أنه لا يمتنع أن يطلق ذلك باعتبار أنه مأمور بحفظ ما وكله فيه ، ورعايته والقيام به . وأما توكيل العبد ربه : فهو تفويضه إليه ، وعزل نفسه عن التصرف ، وإثباته لأهله ووليه . ولهذا قيل في التوكل : إنه عزل النفس عن الربوبية ، وقيامها بالعبودية . وهذا معنى كون الرب وكيل عبده أي كافيه ، والقائم بأموره ومصالحه . لأنه نائبه في التصرف . فوكالة الرب عبده أمر وتعبد وإحسان له ، وخلعة منه عليه ، لا عن حاجة منه ، وافتقار إليه كموالاته . وأما توكيل العبد ربه : فتسليم لربوبيته ، وقيام بعبوديته . وقوله وهو « من أصعب منازل العامة عليهم » لأن العامة لم يخرجوا عن نفوسهم ومألوفاتهم . ولم يشاهدوا الحقيقة التي شهدها الخاصة . وهي التي تشهد التوكيل فهم في رق الأسباب . فيصعب عليهم الخروج عنها ، وخلو القلب منها ، والاشتغال بملاحظة المسبب وحده . وأما كونه « أوهى السبل عند الخاصة » فليس على إطلاقه . بل هو من أجلّ السبل عندهم وأفضلها ، وأعظمها قدرا . وقد تقدم في صدر الباب : أمر اللّه رسوله بذلك . وحضه عليه هو والمؤمنين . ومن أسمائه صلى اللّه عليه وسلم « المتوكل » وتوكله أعظم توكل . وقد قال اللّه له : فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ ( 79 ) [ النّمل : 79 ] وفي ذكر أمره بالتوكل ، مع إخباره بأنه على الحق : دلالة على أن الدين بمجموعه في هذين الأمرين : أن يكون العبد على الحق في قوله وعمله ، واعتقاده ونيته ، وأن يكون متوكلا على اللّه واثقا به . فالدين كله في هذين المقامين . وقال رسل اللّه وأنبياؤه وَما لَنا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدانا سُبُلَنا وَلَنَصْبِرَنَّ [ إبراهيم : 12 ] فالعبد آفته : إما من عدم الهداية ، وإما من عدم التوكل . فإذا جمع التوكل إلى الهداية فقد جمع الإيمان كله . نعم التوكل على اللّه في معلوم الرزق المضمون ، والاشتغال به عن التوكل في نصرة الحق والدين : من أوهى منازل الخاصة . أما التوكل عليه في حصول ما يحبه ويرضاه فيه وفي الخلق . فهذا توكل الرسل والأنبياء عليهم السلام . فكيف يكون من أوهى منازل الخاصة ؟ . قوله : « لأن الحق قد وكل الأمور إلى نفسه ، وأيأس العالم من ملك شيء منها » . جوابه : أن الذي تولى ذلك أسند إلى عباده كسبا وفعلا وإقدارا ، واختيارا ، وأمرا ونهيا ، استعبدهم به . وامتحن به من يطيعه ممن يعصيه ، ومن يؤثره ممن يؤثر عليه . وأمر بتوكلهم عليه فيما أسنده إليهم وأمرهم به ، وتعبدهم به . وأخبر : أنه يحب المتوكلين عليه ، كما يحب